اسماعيل بن محمد القونوي
53
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( والغشاوة ) لما كان الغشاوة للختم في عدم إرادة معناهما الحقيقي بل المراد استعارة تمثيلية ذكر عقيب بيان معنى الختم وآخر بيان ما هو من القلوب وأخويها ولم يراع الترتيب فقال والغشاوة ( فعالة ) بكسر الفاء نقل عن الزجاج أنه قال كل ما اشتمل على شيء مبني على فعالة نحو العمامة وكذا أسماء الصناعة فإن الصناعة مشتملة على ما فيها نحو الخياطة والقصارة وكذا ما استولى على الشيء نحو الخلافة والإمارة وفي الكشاف اكتفى بالأول حيث قال وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة ونقل عن الراغب أن فعالة لما يفعل به ذلك الفعل كاللف في اللفافة قال استعملت في غيره فعلى التشبيه كالخلافة والإمارة وكلامهم مضطرب قول الزجاج أوفق بالاستعمال وما ذكره الزمخشري واختاره المصنف من قبيل الاكتفاء بشهرته وما ذكره الراغب فلا يعرف له وجه وقد عرفت في حل قوله الكتاب أن فعالا بدون الهاء قد يدل على معان مخصوصة وإن لم تكن مشتقة كالإله والإمام وإن لحقه الهاء فهو اسم لما يشتمل على الشيء ويحيط به كاللفافة والعمامة وهذا في غير المصادر إذ فعالة تكون اسما كالعمامة ومصدرا مثل الكتابة والتفصيل المذكور في الأسماء والاشتمال والإحاطة فيما نحن فيه واضح لأنها بمعنى التغطية كما قال فعالة ( من غشاه ) من التغشية ( إذا غطاه ) بالتشديد ( بنيت لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة ) والعصابة ما يعصب على الرأس ويدار عليها قليلا وإن زاد فعمامة . قوله : ( ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة ) فالنفي راجع إليها بل راجع إلى المعاني قوله : ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة الخ وإنما لم يحملوها على الحقيقة تحاشيا عن نسبة الظلم إلى اللّه تعالى قال الفاضل العلامة قطب المحققين كمال الدين عبد الرزاق القاشاني قدس اللّه روحه أما لزوم الظلم من كون الإسناد حقيقيا على ما توهموا فذلك لعدم الاطلاع على سر القدر وحقيقة الإيجاد فإن القدرة لا تتعلق إلا بالممكن وإن كان المحال أيضا صار بجعله محالا ولم يمكن إيجادهم على أحسن مما هم عليه إذ الاستعداد إنما يكون من فيضه الأقدس وكونه تعالى فعالا لما يريد وكل ما يمكن وجوده من الأعيان لا يبقى في كتم العدم فأعيان الكفار أعيان لا يمكن إيجادها إلا على الصفة التي هم عليها من التجافي عن الحق والبعد كأصناف البهائم ولا يخفى عليك عظم عذابها وما يجري عليها من الذلة والشقاء بالنسبة إلى الإنسان فكما لا يلزم من أن لا يكون كلها أنبياء أهل القرب والمعرفة ظلم فكذلك ههنا ولا يطلب اللّه تعالى منهم ما لا يطيقونه في نفس الأمر وإنما كلفوا بالأوامر والنواهي ليظهر ما في أعيانهم من إنكار الحق والاستكبار الموجب لطردهم وبعدهم فأعيانهم التي اقتضت عذابهم فصدق قوله تعالى : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [ الزخرف : 76 ] وإيجادهم على خلاف ذلك محال وإبقاؤهم في كتم العدم ترك للخير الكثير لأجل الشر القليل وذلك شر كثير إذ في الوجود مصالح لا يمكن إجراؤها إلا على أيديهم كأنواع القهر والايذاء فوصفهم بختم على قلوبهم واسماعهم وتغشية أبصارهم عبارة عن إيجادهم على مقتضى أعيانهم وما في طباعهم وكما لا يمكن أن يوجد الحنظل بطيخا حلوا وله خاصية الحنظل فكذلك لا يمكن إيجاد الكافر مؤمنا رؤوفا رحيما وله خاصية الكافر إلى هنا كلامه ثم اعلم أنه لا مخالفة بيننا وبين المعتزلة في أن كلا من الختم والتغشية ليس